
إنه الطوفان يجرف الهوان
حتى هذا اليوم و حرب العار تصلينا سما في حلوقـنا. حتى اليوم كنا في قعـر الجب. لنتصور رئيس أعظم دولة نافخا ريشه الطاووسي، يقول لنا: هذه وثيقة سلامي أنا و وثيقة سلام سيدكم الإسرائيلي و عليكم توقيعها صاغـرين. و لعلكم تعرفوني. و من لا يعرفني فإني أنا الذي جعل من قـدسكم، عـروس عروبتكم، عاصمة أبدية لإسرائيل! و من جولان مرتفعاتكم، ملكية شرعـية لإسرائيل ؟ وعندما توقعـون وثيقة استسلامكم هذه، فإني شخصيا و صهري الحميم كوشنير و رفيقي العزيز توني بلير، سنكون حكام غـزة. نهجر سكانها. نستغل خيراتها. و نشيد بها أجمل الفنادق و أروع عُـلب الليل، بأبهـى ولدان و أحلى بنات، شعاع سـحـرهـن يـنير العـميان
نعم، حضرة الرئيس الأعظم
و كنا نقول إنه المكتوب. و ما باليد حيلة. لكن جواب حماس فاجأنا. كان قمة الحنكة و الذكاء السياسي، قالت : نعم، حضرة الرئيس الأعظم، نقبل خطتك هذه و سلامك هذا. لكننا فقط قبل تسليمكم أسراكم، نطالب بوقـف الحرب الهمجية و إدخال المساعدات الغذائية و انسحاب جيش الاحتلال المدنس أرضنا المقدسة
و أسقط في يد ترمب. ما العمل و الكرة في شبكته. كيف، و العالم بأكمله يرى في هذا الجواب نبل موقف و روح مسؤولية ؟ هل يرفض هذا ليدخل بجانب إسرائيل في عـزلة، هي الإفلاس سلطة و مالا و أعمالا ؟ خصوصا و الرأي العام الأمريكي أصبح أكثر، فأكثر رافضا إسرائيل و مشتعل مظاهرات مساندة لفلسطين و منددة بالمجازر الحيوانية
ماذا أمامه إلا الرضوخ و التخطيط ليوم أمره كان معلوما ؟ ساعتها، كانت إسرائيل تلطم خدودها و تعطى ترمب من الشتائم ما يُـعـطـى للـطـبل قـرعا ليلة زفـاف صاخب
و كان غـضب ترمب صاعـقا. إنه و هو المراوغ المتواطئ قلبا و قالبا مع إسرائيل. كان و حاشيته المتصهينة يرون في رفض إسرائيل للصفقة سقوط انتخابي و ورقة في يد إيران و الخصوم و عزلة دولية أمريكية معززة بسخط كوني على حرب الإبادة الإجرامية

ترمب في حيص بيص
ترمب كان في حيص بيص. فالعالم بأكمله يبصق على إسرائيل، حد أن أثوابها أصبحت ثقيلة عليها، بما تضمخت به من بصاق. لذلك فإنه يريد إلباسها ثوبا جديدا لا معا. أما ثوبها المتسخ، فيريد إلباسه لأمة العرب و الإسلام ؟
و كانت حماس بنفاذ بصيرة تأخذ ثوب العار و تقول لترمب هذه بضاعتكم ردت لكم. حماس كانت في موقف يمليه عليها التزامها بالعهد المعطى مع شعبها. فكيف و هذا العهد يقول بأن الواجب الأول و الأخير هو إيقاف المجزرة. إيقاف طائرات الخسة و قصف الخسة. إيقاف سلاح التجويع الذي يجعل الأطفال، كما الأمهات، كما الآباء يتضورون جوعا و عطشا و البعض منهم يسلمون الروح وأظافر الجوع و العـطش مغروسة في حناجرهم و بطونهم
إيقاف الحرب هو الترياق لغـزة. و الكابوس المرعـب لوحوش الإبادة. إنه يعنى أن حلم إسرائيل الكبرى، كما التهجير المحلوم به، كما نزع سلاح حماس، كل هذا أضحى أضغات أحلام
نتنياهو تاجر رمال
نتنياهو وجد نفسه مند توقيع الاتفاق في وضعية ذلك التاجر الذي كانت له سطوته و رأسماله، و لكنه ذات يوم أصبح الصباح، فإذا به مفلسا باكيا. فلما جاء الناس يسألونه ما الخبر؟ قال : كنت تاجر رمال. لكن عاصفة هوجاء أفـلـسـتـنـي
و العاصفة هنا، لم تكن إلا ما أسمته المقاومة بحدس نبوي طوفان الأقصى، الذى عـصف بكل شيء : الجبروت الإسرائيلي لم يعـد إلا هشيما تذروه الرياح. الجيش الذي لا يقهر لم يعد رغم عدته و عتاده إلا الجيش المهزوم من مجموعة مقاتلين لا يملكون إلا إيمانهم بالله و عدالة قضيتهم. إسرائيل المحتفى بها، لم تعد إلا الدولة الفاشية المنبودة. تصوروا نتنياهوا بالأمس القريب، يلقي خطابه أمام الجمعية العامة و أمام الكونجرس فيصفق له المؤتمرون وقوفا، تصفيقات تخترق الآفاق. ثم، بعد هذا و في عز الحرب، يعود نتنياهو ليلقي خطابه أمام كراسي فارغة، لا تعرف التصفيق. لكن صمتها يعبر عن بصاق
نعم، إنه الطوفان الحماسي جرف الأسطورة الإسرائيلية. ثم، حمل العـلم و الكوفـية الفلسطينية و ألقى بهما عبر العـواصم العالمية. فإذا، بالعـواصم تنهض ملايينا. تهتف باسم فلسطين و مع هذا صيحات الاستنكار و السخط غضبا يكوى النفوس الأبية و يلهب الضمائر حية كانت أم ميتة
طوفان الأرض المقدسة تصرخ بإسم أطفالها مقتولين و مبتورة أياديهم و حقهم في محاكمة الجلاد الذي نسف مستقبلهم. طوفان الأرض، تطالب بحقها في مدنها أصبحت ركاما، بحقها في مدارسها و جامعاتها و مستشفياتها و مساجدها و كنائسها أصبحت أنقاضا. طوفان الأرض مطالبة بحقها في زيتونها و عطورها و أنفاس أسلافها أضحت سرابا
ضربة الجلاد تعلمنا أن إسرائيل لن تسـتـتـني أحدا
نعم، إنه الطوفان جرد إسرائيل من قـفاطـيـن الزيف. فإذا بها لا تـتـدثـر إلا بلباس الجريمة قتلا و نهبا و احتلالا. و كل هذا مضمخ بعنصرية بغيضة. إنه، الطوفان يعـصف بأسس النظام العالمي المُتصهين و يجعل الناس يفكرون في ركائز جديدة، لنظام كوني جديد، يحترم الكرامة أوطانا و أفرادا. إنه، طوفان البذور تـزرع فلسطين في قلب كل إنسان يعـتز بإنسانيته أينما حل و ارتحل
إنه، الطوفان جعل من المقاومة شعلة من أنفاس عـزة الأمة ؟ طوال الحرب أبدت هذه المقاومة حنكة و صمودا يجعل منها مفخرة فلسطين و مفخرة العدالة الكونية. إنها تعلم يقينا أن طريق التحرير صعب و أنه طافح بالمؤامرات و الأشواك. لكنها تعلم يقينا أن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة. و ما أنجزته حتى اليوم خطوة عملاقة تشكل الأساس الذي عليه يشيد صرح الحرية. أما الخطوة الثانية المنتـظرة، فهي توحد الشعب الفلسطيني تحت راية واحدة
ضربة الجلاد في غـزة و الضفة و إيران و اليمن و لبنان و سوريا و تونس و قطر تعلمنا أن إسرائيل لن تسـتـتـني أحدا. فهل ستقف الأمة، كل الأمة سدا منيعا في وجه هذه الحقارات، التي ليست إلا بهلوانيات تهريجية حقا. و لكنها مسلحة بـقـنابل الانحطاط الأخلاقي و طائرات الدمار الهمجي و أنياب الجشع الاستيطانى ؟
يا الله، لقد طال سباتنا فهل نستيقظ من نومنا؟








