إندحار أمريكا أم انتصار إيران ؟

 ماذا لو استبقنا الأحداث. ماذا لو قفزنا عاليا حتى نرى ما خلف الأكمة.  أو ليس ما تقوله الواشنطن بوست أو النيورك تايمز تلميحا محتشما يتحول تصريحا على ألسنة النخبة الأمريكية المستقلة. فيديوات تقول جهارا نهارا بأن أمريكا ماضية بعزيمة و إصرار نحو هاويتها و سقوطها الحضاري الذي ليس إلا بردا وسلاما على الإنسانية المضطهدة

و يقول هؤلاء بأن هذا السقوط ما كان ليكون وليد الصدفة و لكنه مسلسل ظل يشق طريقه بأناة كامنا خلف حروب و مؤامرات وانقلابات. لكن هناك عاملان ساهما في هذه القفزة النوعية ارتماء في مستنقع السقوط. العاملان المذكوران هما  ترمب أولا  و الحرب مع إيران ثانيا. لنتوقف عند كل على حدة

ترمب لم يكن حادثة و لا ظاهرة طفت على سطح الأحداث. كلا، إنه ما كان الإبن اللقيط للمؤسسات. بل الإبن الشرعي  للوقاحة الرأسمالية بديماغوجيتها و أكاذيبها و حربها الشعواء ضد كل ما يشتم منه رائحة الحق أو الحقوق. إنه المعركة العنصرية البائسة انطلقت من عقالها، سيادة مال متسخ و سمسرة غش و تدليس، حيث لا قانون يعلو فوق قانون الدوس بالجزمة العسكرية الحقيرة على كل ما يشتم منه حقوق إنسان و حقوق أمم

لقد شن ترمب حربه الغادرة على إيران بدعوى توقيف تسليحها النووي و تغيير نظام الحكم و وضع اليد على النفط الإيراني و مآرب أخرى. و كانت النتيجة نكتة أضحكت الكون. فلا التسليح النووي تم توقيفه و لا نظام الحكم تم تغييره و لا البترول الإيراني تم الاستيلاء عليه. بل الأدهى من هذا والأمر، القواعد الأمريكية بالخليج تحولت غبارا معلنة نهاية الوجود الأمريكي بالشرق الأوسط. و أكثر من هذا فإن مضيق هرمز الذي كان مفتوحا في وجه الملاحة الدولية أصبح تحت السلطة الإيرانية تتحكم فيه حسب خططها الإستراتيجية. بل، و يا ليت أوراق الخسارات توقفت هنا بل مضت حتى باب المندب لتجعله بدوره تحت الصولة الإيرانية. و مما للأمر دلالته أن صرخات الاستنجاد السعودية ظلت صيحات في واد. إذ كيف لترمب أن يحرك ساكنا و هو يعرف ما ينتظره هناك أمام المقاتلين الأشاوس. أو ليس  في وضعية القط الذي حسب المثـل الـفـرنسي يهـرب من الماء البارد لأنه اكـتـوى بـحـريـق الـمـاء المـغـلى

إندحار أمريكا أم انتصار إيران ؟

وها هي الأمة الأمريكية تكتشف مشدوهة أن شعار ترمب الطنان  » لنجعل أمريكا عظيمة »، لم يكن إلا موال الاحتضار. لم يكن إلا دعوة خروج من جبروت الهيبة و الريادة تقنية و فنا و أدبا و اختراعا. فأمريكا المدعوة لأن تكون عظيمة مجددا انتهت مقزمة، مقلمة الأجنحة بأنف مرغم في التراب. أنها أمريكا تغوص في مستنقع الانحطاط الأخلاقي بزعـيم مسعـور يتأبط ملفات إبشطاين  و ينتصب خطيبا داعيا أمريكا لعظمتها، كأنه لا يعلم أنه يدعوها لعشائها الأخير

 فيما يتعلق بإيران فإن النخبة الأمريكية ترى أن هذه الحرب ضد إيران و ما اتسمت به من عنجهية و غطرسة، لم تكن بالحدث العابر و لا بالحدث التلقائي. و لكنها كانت المخطط النابع من البنية اللا أخلاقية الرأسمالية الأمريكية. إنها جاءت في أعقاب القرصنة الفنزويلية. و إذا، فهي تجسيد لهذا الشره الطامح لوضع اليد على خيرات الشعوب و الحكم عليها قهرا و فقرا خدمة لأنانيات ذاك الجشع الحالم بوضع خيرات الأمم ذهبا في صناديقه و خزائنه

 لكن الذي لم يكن في الحسبان لهو الرد الإيراني الذي كان صاعقا مدويا و مدمرا. و كان الدرس المستخلص يقول، مهما كان جبروت أسلحتك و تطور تقنيتك، فإنك لا تخرج إلا مهزوما ذليلا في وجه شعب يجند ثرات حضارته دفاعا عن رموزه العريقة. تلك التي لا تنهزم، لا تنحني، لا تموت

و كانت الهزيمة شتيمة عار قلبت كل الموازين. أجهزت على كل الطموحات التي لم تعد إلا بالونات تنفست خزيا يزكم الأنوف

 النخبة الأمريكية المستقلة غالبا ما تقارن بين الهزيمة الأمريكية في فيتنام و هذه الهزيمة في إيران. لكن البعض يستدرك ليصحح المقارنة : في فيتنام كانت المواجهة لها ما بررها في عز الحرب الباردة يومها. و كانت محدودة في المكان و لم تخرج منها أمريكا إلا بندوب. أين منها تهشيم الصورة و الأطراف في الحرب الإيرانية التي لم تكن محدودة جغرافيا و لكنها تمس كل الشرق الأوسط. و تمس ميزان القوى عالميا و تؤتر مباشرة في تدفق النفط و أسعاره. لكن مع كل هذا، هناك ما هو أخطر. و هذا الأخطر ليس شيئا آخر إلا بروز إيران كقوة تعيد ترتيب الأوضاع في المنطقة، بما يستجيب و مطامح أمتها

ناهيك عن العواقب. و منها اكتشاف أهل الخليج أن أمريكا لا تحمي حتى نفسها فكيف تحميهم؟ و يكفى أن نتوقف عند دخول الحوتيين على الخط، كأنما ليتوجوا الإنتصار الإيرانى بإحكام السيطرة على المنافذ البحرية. و إذا، و كما كان الباطل زهوقا، فلا قطرة نفط تزهق خارج رقابة المعذبين في الأرض

 ماذا يتبقى  لأمريكا و هي العملاق بحق. و لكن من ينكر أنه العملاق بسيقان من عجين. فكيف إذا، أن لا تـتـخبط في وحل وطين ؟

هل هو الانهيار الأمريكي و كفى ؟ إنه الغرب بأكمله يتذوق مرارة الانهيار. و لعل دليلنا في هذا، هو معالم صعود اليمين المتطرف الذي يحاول استعادة المبادرة، سيادة احتكار و عنصرية مقيتة تدججت فسادا و إفسادا. إنه يجعل من الإسلام و الإنسان المسلم عدوه الأكبر الذي يجب دحره و نفيه و إقصاؤه و لكنها العنصرية المقيتة أبعد ما تكون عن اجتياز النهر و تجفيف اقدامها  كما يقول المثل المغربي. كلا و ألف كلا، فكما أين توجهت فتم وجه الله. كذلك أينما توليت فتمة نساء و يا لروعة النساء ورجال، و يا لروعة الرجال كأني بهم عاهدوا الله عهدا لا تنفصم عراه مع العدالة و الوقوف بجانب الحق. إنهم أهل النور يستمدون قوتهم من غضب العدالة المقدس في وجه قذارة المال المدنس

يشهد الله حيتما توليت تسمع زئير الأسود في وجه وطاويط الليل وخفافيش الظلام. إني هنا في موقعي من جنيف و باريس أسمع هذا الزئير يعانق هدير الأمة الإسلامية تَــلاطـُـم أمواج يـُـسمع لها شهيق و عـويل تعاهدنا بأن كرامة هذه الأمة لا ترضى بغـيـر عـزتها سـمـوا يـُلهـم و ردًّا يُـفـحم وشموخا يضيء العالمين

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *