فاطمة الزهراء المنصوري  

تعلمنا أن المرأة مستقبل الرجل. فهل هي هياكلنا المضمخة بالبركة الضرائحية  تنتقم من هذه المقولة، فتأخذ بخناق المرأة لتؤكد أنها  ما كانت و لن تكون مستقبل الرجل بل هوانه و مقبرته ؟

لأول مرة في بلادنا تـُـنصب إمرأة رئيسة للحكومة. كيف لا نصفق إذا بما نملك و ما لا نملك من أياد؟ أو ليس هذا نصر ديمقراطيا مؤزرا ؟ أو ليس تتويج المرأة المغربية تحية و أروع تحية لهذه الرفيقة الأبدية التي غبطناها حقوقها و أبينا إلا تهميشها رغم حضورها المشرق تربية و إدارة و إنتاجا و روح مسؤولية ؟

يا للهول، يا للصدمة. لم تكن تأخذ الكلمة 

وأعترف كنا في الموعد المحدد. كنا نفرك أعيننا فرحا و ندلك أيادينا للتصفيق. و جاءت السيدة المتوجة تأخذ الكلمة فتحا مباركا و افتتاحا مبجلا. لكن، يا للهول، يا للصدمة. لم تكن تأخذ الكلمة. كانت تأخذ المطرقة تهوي بها على رؤوسنا بين فاصلة لم تعد فاصلة و لا نقطة هي النقطة و لا علامة استفهام تستـفـهـم. وحدها علامات التعجب تركب جيادها لتطرق حوافرها جبيننا بكل توحش و صلف. كأنما لتعصف بأحلامنا و تعيدنا لواقعنا في صلفه، في سخريته المستهزئة بنا. كانت السيدة المحترمة كأنما بسحر ساحر تـُـمسخ، تـفـقـد هويتها، تقول ما أملي عليها أن تقول و يا ليتها كانت تقوله قولا مستساغا

ما أكثر ماتعاقب البرلمانيون على المكروفون في بلادنا يجلدوننا جلدا و هم يجلدون لغتنا تهجئة و تلعثما و تعترا، كأني بهم عـُـرج عـُـمي، فهم لا يفقهون. و كان رد فعلنا سخرية لا تلبث أن تستوي نكتا  تمضي في طول وعرض بلادنا لتضحكنا، لتنفس عن غيضنا. لكننا اليوم مع هذه السيدة المنصوري لم تكن هناك من سخرية و لا أدنى نكتة فاللعبة اليوم أخطر. إنها مأساة الوطن و تراجيديا الأمة. إنها حمامة نوح حلمنا بها تطرق حياتنا بغصن زيتون مبشرة بانتهاء الطوفان، فكيف تتحول الحمامة إلى موكة أو بومة تشيع مطامحنا إلى مقابر النسيان

من ينكر أن الرهان هائل؟ الرهان هنا، هو هذا الموعد التاريخي أخطأناه مرة أخرى مع المسلسل الديمقراطي تحررا من كوابيس قهرنا و فسادنا و تسلطنا توعية و تعليما و تنمية. قد يقول قائل إنك تبالغ، ما علاقة كل هذا بخطاب بائس لسيدة استدعاها النظام لاستعمالها اعتداء على وقارها ؟ 

رجاء دعونى أشرح موقفى

عندما يتم تعـيـيـن سيدة من هذا المستوى لمنصب في هذا المستوى و في ظل استحقاقات مهولة وعندما تتلو هذه السيدة خطابها الافتتاحي بهذه الركاكة، ألا تنسحب هذه الركاكة على أغلبيتها و برلمانها و حكومتها؟ كيف ننتـظر التمييز بين هذا الملف و ذاك إذا كنا عاجزين عن التمييز بين حرف ألف من زرواطة؟  بل و أكثر من هذا، ننزلق فوق الكلمات حتى لكأني بالكلمات وحلا و اللغة المداسة مستنقعا. ألا يعني هذا أننا لا نقيم وزنا للأمة و لو كنا كذلك لكنا نسهر آناء الليل و أطرف النهار حتى نلقي خطابنا بالصرامة المطلوبة و الدقة المحسوبة. أي كل ما تقتديه هيبة الموقف و خطورة المسؤولية؟ متى كنا بعي و حصر و تدحرج نكسب ثقة و احترام المواطن؟

 أو ليست اللغة روح الأمة ؟ بالله، في غياب احترام هذه الروح ماذا يبقى من هيبة الحاكم و طاعة المحكوم و جلال الأمانة؟ أو ليس الدخول للسلطة يتم عبر باب الكفاءة و ليس من باب تعددت عناوينه بين امتيازات و انتهازيات و ما شئت من إرث أنجب حسابات و محسوبيات. نعم، كل هذه الأبواب مباحة إلا باب التمرس النضالي السياسي

فالكلمة سلطة و في ثقافتنا الدارجة لا نقول يملك السلطة بل نقول  عندو الكلمة

هذه السيدة ما جاءت لتعلن برنامجها. بل، لتقول أنها لا تملك الكلمة. إذا فهي لا تملك السلطة. فالكلمة سلطة و في ثقافتنا الدارجة لا نقول يملك السلطة بل نقول  » عندو الكلمة « . و الزعماء الكبار جندوا شعوبهم و شيدوا صروحهم بقوة الكلمة لا بقوة السوط

يقول العزيز الجبار  » يا يحيى خذ الكتاب بقوة « . أو ليس الكتاب هنا إلا الكلمة صانعة الحضارة؟ أو ليست الكلمة النبوية المحمدية إعجازا و قرآنا شيد حضارة الإنسانية ؟

المعتوه ترمب

المعتوه ترمب عين إمرأة لحاجة ما ناطقة رسمية للبيت الأبيض. و جاءت العروس المصون فرحة بهذا المجد تأخذ الكلمة. و لكن الكلمة هي التي كانت تأخذها. كانت غريبة عنها لا تكاد تمسك بها إلا لتنسحب من بين أصابعها. و كان الأمر مهزلة. بل، أم المهازل و تم عزلها في اليوم نفسه. و انطلقت التعليقات بعضها كان حادا شرسا حد القول أن الأمر ليس حادثة و لكنه إيذان بسقوط الحضارة الأمريكية

هذا ما حدث في أمريكا. أما في بلادنا فإن الأمر عكس ذلك، ما أن أنهت السيدة المنصوري خطابها حتى انطلقت أمواج التصفيقات البرلمانية كأن الأمر يتعلق بأخطر إنجاز تحقق في بلادنا

قد يقول قائل لكنك لم تتوقف عما يقوله الخطاب أو ليس برنامجا مسطرا ووعودا مرتقبة؟ و أجيب : إذا كان الشكل أعرجا فمتى كان المحتوى إلا مُـقعـدا قاعد قعودا لا نهوضا. أو ليست السياسة تسمية الداء و الإشارة بأصبع لا يرتجف لمواطن الخلل؟ إذا كنا عاجزين عن تحضير خطاب حسب ما تقتديه الأعراف التواصلية و الأخلاقيات المؤسساتية فكيف نكون قادرين على البث و تدبير هذه الملفات التي تتقاطر فوق رؤوسنا:  ملفات الفساد و الإفساد، ملفات الاحتكار الذي ينخر أسس التنمية، ملفات المحسوبية و الزبونية، ملفات العدالة الاجتماعية، ملفات التعليم المهلهل حد إنتاج العقول البائسة التي تعيد إنتاج الفقر و النهب. ما أكثر الملفات الـثـقـيـلة حد القول تكاترت الظباء على خديش فما يدري خديش ما يصيد

 أختتم فأقول والله، ما كنت وقحا و لا شرسا، لكنها وقاحة الواقع المر. وقاحة هذا القدر البغيض يهمش الكفاءات النبيلة. يدوس العهد و الموعد و يحكم على بلادنا باجتياز القفار الموحشة، كأنما أبد الآبدين. هذه الوقاحة هي التى تشعل شرارات غضبي غيضا من فيض هذا الشره. يفترس حاضرنا و مستقبلنا و يحكم علينا بالعقم و اليأس تخبطا في دنيا الخصاص و البؤس

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *